top of page

المغرب يطلق الدرهم الإلكتروني المغربي ....قريبا


يستعد المغرب لإطلاق مبادرة مالية رائدة تتمثل في الدرهم الرقمي، وهي عملة رقمية سيادية يصدرها بنك المغرب. هذا المشروع الطموح، الذي اجتاز بنجاح مراحله التجريبية، يمثل استجابة استراتيجية للتحولات المتسارعة في المشهد المالي العالمي، ويعكس التزام المملكة بتعزيز الشمول المالي، وتقليص الاعتماد على النقد الورقي، ومكافحة تحديات الاقتصاد غير الرسمي. بتبني هذه الخطوة، يضع المغرب نفسه في مصاف الدول السباقة التي تتبنى حلولاً مالية مبتكرة لمستقبل أكثر رقمنة وشفافية. هذا التطور يأتي في ظل تزايد الحديث عن البيتكوين والعملات الرقمية العالمية وتأثيرها على النظم المالية التقليدية.


لقد مر مشروع الدرهم الرقمي بمسار مدروس ومراحل دقيقة، بدأ بدراسات معمقة وتجارب ميدانية. صرح مسؤول رفيع في بنك المغرب أن المؤسسة قد أتمت بنجاح المرحلة التجريبية الثانية من المشروع. هذه المرحلة، التي تلت دراسات متواصلة منذ عام 2021، ركزت على اختبار دقيق لعمليات الأداء باستخدام هذه العملة الرقمية. كان الهدف الأساسي من هذه التجارب هو التقييم الواقعي لمدى قابلية دمج الدرهم الرقمي ضمن المنظومة المالية الوطنية القائمة، من خلال محاكاة دقيقة لعمليات دفع حقيقية، لضمان سلاسة الانتقال وفعالية الأداء فور الإطلاق الرسمي. أوضح خبير اقتصادي بارز أن بنك المغرب أجرى تجارب محاكاة مكثفة لعمليات الدفع بين الأفراد والمؤسسات ضمن بيئة رقمية محكمة وآمنة. هذه التجارب لم تكن شكلية، بل هدفت إلى اختبار جوانب حيوية تتعلق بالأمان الشامل للنظام، وسهولة الاستخدام للمواطنين والشركات، وسرعة تنفيذ المعاملات، إضافة إلى فعاليتها من حيث التكلفة، مما يضمن تجربة مستخدم مثالية ويقلل الأعباء التشغيلية. تأتي هذه الجهود في وقت تشهد فيه الساحة المالية العالمية نقاشات حادة حول مستقبل العملات الرقمية المركزية (CBDCs)، وكيف يمكنها التعايش أو التنافس مع العملات المشفرة اللامركزية.


طموح الدرهم الرقمي يتجاوز بكثير مجرد رقمنة وسيلة دفع جديدة؛ إنه يهدف إلى إحداث تغييرات هيكلية عميقة في نسيج الاقتصاد المغربي. وفقًا لتحليلات المحللين الاقتصاديين، من شأن هذه الخطوة الجريئة أن تسهم في تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية ذات الأثر الكبير: مكافحة الاقتصاد غير الرسمي، حيث سيوفر أداة قوية لتقليص حجم هذا الاقتصاد عبر تشجيع المعاملات الرسمية وتتبع التدفقات المالية بشكل أكثر شفافية، مما يعزز الإيرادات الضريبية ويوفر بيئة أكثر عدالة للمنافسة. كما سيسهم في تيسير إيصال الدعم والمعاشات مباشرة إلى المستفيدين عبر المحافظ الرقمية، مما يقلص التكاليف الإدارية ويحد من أخطاء التسليم أو التلاعب. سيفتح الدرهم الرقمي أيضًا آفاقًا جديدة لتسهيل التحويلات المالية الدولية، خاصة عبر التعاون مع دول أفريقية شقيقة، مما سيعزز الروابط الاقتصادية الإقليمية ويخفض تكاليف التحويلات. وأخيراً، سيحقق الشمول المالي من خلال تمكين ملايين المغاربة الذين لا يتعاملون مع البنوك من الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية عبر التطبيقات الذكية، مما يساهم في تحقيق الشمول المالي الواسع ويعزز من فرصهم في التنمية الاقتصادية.


يؤكد المختصون الماليون أن مشروع الدرهم الإلكتروني ليس مبادرة معزولة، بل هو استكمال لورشة إصلاحات واسعة النطاق بدأها بنك المغرب منذ عام 2021. هذه الإصلاحات تضمنت تشكيل لجنة متخصصة لدراسة العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) بعمق، وتقييم جدواها وآثارها على الاقتصاد الوطني. يشير هؤلاء المختصون إلى أن ملف الدرهم الرقمي "وصل مرحلة النضوج"، مما يعني أن الإطلاق الرسمي قد يكون وشيكًا خلال الأشهر القليلة المقبلة، مما يبشر بقفزة نوعية في المشهد المالي المغربي. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية في لحظة عالمية حرجة، حيث تتسابق العديد من الدول نحو إصدار عملات رقمية مركزية لمواكبة التطورات التكنولوجية الهائلة ومنافسة العملات المشفرة اللامركزية مثل البيتكوين والإيثريوم. المبادرة المغربية تتقاطع أيضًا مع تحضيرات المملكة لاحتضان فعاليات عالمية كبرى، مثل كأس العالم للأندية، ومساعيها الحثيثة لجذب استثمارات أجنبية ضخمة واستقطاب أعداد متزايدة من السياح. هذه الاستضافة تتطلب منظومة مالية رقمية متطورة، تتسم بالشفافية العالية وقابلية المراقبة، وهو ما سيوفره الدرهم الرقمي. وأشار الخبراء أيضًا إلى أن المحاولات السابقة لرقمنة التعاملات في المغرب لم تحقق النجاح المأمول، مما يضع المشروع الجديد أمام تحدٍ كبير لاكتساب ثقة الجمهور وضمان فعاليته. لكن، ورغم هذه التحديات، يرى المختصون أن الدرهم الرقمي يمكن أن يمثل أداة بالغة الأهمية في مراقبة حركة الأموال، ومكافحة غسل الأموال، وتجفيف منابع تمويل الإرهاب، مما يعزز من أمن وسلامة النظام المالي الوطني.


في خضم التوجه العالمي نحو رقمنة المعاملات المالية، تبرز البيتكوين والعملات الرقمية العالمية كقوى دافعة غير مسبوقة. ظهرت البيتكوين في عام 2009 كأول عملة رقمية لا مركزية تعتمد على تقنية البلوكتشين (Blockchain)، وهي سجل موزع وغير قابل للتغيير للمعاملات. سمح هذا الابتكار بإجراء تحويلات مالية نظير إلى نظير (P2P) دون الحاجة إلى وسيط مركزي مثل البنوك. ومنذ ذلك الحين، شهد سوق العملات الرقمية نموًا هائلاً، مع ظهور آلاف العملات البديلة (Altcoins) مثل الإيثريوم (Ethereum)، الريبل (Ripple)، واللايتكوين (Litecoin)، كل منها يقدم حلولًا وميزات فريدة. تُعرف العملات الرقمية بخصائصها المميزة: اللامركزية (لا تخضع لسيطرة أي حكومة أو مؤسسة مالية مركزية باستثناء العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDCs)، الشفافية (جميع المعاملات مسجلة على البلوكتشين)، الأمان (تعتمد على تشفير قوي)، والكفاءة (يمكن أن تكون المعاملات أسرع وأرخص). على الرغم من إمكانياتها الثورية، تواجه العملات المشفرة تحديات كبيرة، بما في ذلك التقلبات الشديدة في الأسعار، والمخاوف التنظيمية، والاستخدام المحتمل في الأنشطة غير المشروعة، والتأثير البيئي لعمليات التعدين (خاصة البيتكوين).


بينما يتجه المغرب نحو إطلاق الدرهم الرقمي، يبرز تساؤل حول مدى انتشار الكريبتو والعملات الرقمية المغربية في الساحة المحلية. حالياً، لا توجد عملات مشفرة مغربية سيادية أو ذات انتشار واسع ومعترف بها رسمياً. السوق المغربي للعملات المشفرة يتسم بالتحفظ والقواعد التنظيمية الصارمة من قبل السلطات المالية، حيث لا تزال تعتبر غير قانونية في المعاملات التجارية. هذا الوضع يعزز من أهمية وضرورة إطلاق الدرهم الرقمي كبديل آمن ومنظم تحت إشراف بنك المغرب، مما يضفي الشرعية والثقة على التعاملات الرقمية. إمكانية نجاح الدرهم الرقمي تبدو واعدة لعدة أسباب، خاصة في سياق التنافس مع العملات المشفرة اللامركزية: دعم البنك المركزي والسيادة، حيث يكتسب الدرهم الرقمي شرعية وثقة لا تتوفر للعملات المشفرة اللامركزية، ويحميه من التقلبات الهائلة التي تشهدها البيتكوين والعملات المشفرة العالمية الأخرى. كما يعزز الشمول المالي والوصول الآمن عبر توفير وسيلة دفع آمنة وفعالة، تخضع لرقابة الدولة. سيكون أداة قوية في مكافحة الاقتصاد غير الرسمي والشفافية المراقبة، مما يتناقض مع الطبيعة شبه المجهولة لبعض معاملات البيتكوين. كذلك، فإن التكنولوجيا والبنية التحتية الوطنية المتطورة تمهد الطريق لتبني واسع للدرهم الرقمي داخل نظام بيئي متحكم فيه. وأخيراً، فإن التجارب الناجحة والتعلم من التجارب العالمية يضمن جاهزية النظام وفعاليته. ومع ذلك، يواجه الدرهم الرقمي تحديات يجب التعامل معها بجدية، بعضها مستوحى من تجارب العملات المشفرة: الثقافة المالية للمواطنين ورفع الوعي الرقمي، الأمن السيبراني وحماية البيانات، التكلفة التقنية والبنية التحتية المستمرة، والتنافسية والابتكار المستمر.

لا يقتصر تأثير الدرهم الرقمي على الجوانب التقنية أو المالية المحضة، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية واجتماعية واسعة قد تُحدث تحولًا جذريًا في الحياة اليومية للمغاربة وفي بنية الاقتصاد الكلي. سيساهم الدرهم الرقمي بشكل فعال في تحقيق الشمول المالي، خاصة للملايين في المناطق القروية وشبه الحضرية الذين لا يمتلكون حسابات بنكية تقليدية، مما سيمكنهم من الوصول إلى المحافظ الرقمية وإدارة أموالهم بفعالية أكبر، وتقليل مخاطر حمل النقد، والاستفادة من فرص اقتصادية جديدة. كما سيسهل إيصال المساعدات الحكومية المباشرة للأسر المستحقة، مما يعزز العدالة الاجتماعية ويقلل من البيروقراطية. من المتوقع أن يكون إطلاق الدرهم الرقمي حافزًا قويًا لتحفيز الابتكار والتكنولوجيا المالية (FinTech) بالمغرب، مما سيخلق فرص عمل جديدة، ويجذب استثمارات أجنبية، ويعزز مكانة المغرب كمركز إقليمي للابتكار المالي. وأحد أبرز مزايا الدرهم الرقمي هو قدرته على تعزيز الشفافية ومكافحة الجرائم المالية، حيث ستصبح التدفقات النقدية أكثر قابلية للتتبع والمراقبة، مما يمثل ضربة قوية للاقتصاد غير الرسمي، وعمليات غسل الأموال، وتمويل الإرهاب، وهذا يمثل تفوقاً واضحاً على بعض جوانب العملات المشفرة العالمية التي يصعب تتبعها.


بالرغم من الآثار الإيجابية المتوقعة، يواجه مشروع الدرهم الرقمي مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها بحكمة لضمان نجاحه واستدامته، مستفيداً من دروس تجارب البيتكوين والعملات الرقمية الأخرى. تشمل هذه التحديات الأمن السيبراني وحماية البيانات، حيث يجب الاستثمار بشكل كبير في تطوير بنى تحتية أمنية قوية لحماية الدرهم الرقمي من الهجمات السيبرانية وعمليات الاحتيال. كذلك، يمثل التحدي التقني والبنية التحتية الرقمية الشاملة حاجزاً يتطلب العمل على سد الفجوات في التغطية الرقمية خاصة في المناطق النائية لضمان أن يكون الدرهم الرقمي متاحًا لجميع المواطنين. وأخيراً، تتطلب التوعية والقبول المجتمعي جهداً كبيراً لتغيير العادات المالية الراسخة للمجتمع، وشرح فوائد الدرهم الرقمي، وكيفية استخدامه، والرد على المخاوف المحتملة للمواطنين.

إن إطلاق الدرهم الرقمي ليس مجرد تحديث تقني، بل هو جزء من استراتيجية وطنية أوسع تهدف إلى تعزيز السيادة المالية للمغرب في عصر تتزايد فيه العملات الرقمية وتتعقد تحدياتها. في حين تقدم البيتكوين والعملات الرقمية العالمية فرصاً للابتكار المالي، فإنها تحمل أيضاً مخاطر كبيرة تتعلق بالتقلبات، الافتقار إلى التنظيم، والاستخدام غير المشروع. الدرهم الرقمي، بكونه عملة رقمية صادرة عن بنك مركزي، يوفر بديلاً آمناً ومستقراً وموثوقاً، يجمع بين مزايا التكنولوجيا الرقمية والضمانات التي يوفرها التنظيم الحكومي. هذا التوجه يعكس رؤية المغرب لمستقبل مالي آمن وشامل، حيث يمكن للمواطنين والشركات الاستفادة من سرعة وكفاءة المدفوعات الرقمية دون التعرض لمخاطر السوق غير المنظمة. كما يفتح الباب أمام تعاونات دولية أوسع في مجال المدفوعات العابرة للحدود، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي. إن نجاح الدرهم الرقمي سيعزز ثقة المستثمرين في السوق المغربي، ويدعم مكانة المغرب كمركز مالي رائد في المنطقة.

Commentaires

Noté 0 étoile sur 5.
Pas encore de note

Ajouter une note
bottom of page